اسماعيل بن محمد القونوي
514
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( بتلخيص الحق وتقرير الحجة وتزييف الشبهة ) بتلخيص الحق أشار إلى أن معنى يصدقني تلخيص الحق الذي بلغتهم وإنما حمله عليه إذ قوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي يقتضي وإما لتصديق بأنك صدقت أو أخي صادق فلا يحتاج إلى الفصاحة فلا يكون في ذكر أنه أفصح فائدة وتصديق الغير كما يكون بقولك هو صادق يكون بتلخيص ما قاله وتأييده بالحجة وإزالة شبهة الخصم بل هذا التصديق أبلغ وأقوى من القول المذكور لأن القول بأنك صادق يحتمل الكذب كتصديق المنافقين بخلاف الثاني فإنه لا احتمال لخلافه هذا مثل تصديق اللّه تعالى رسله بالمعجزات فليس في يصدقني مجاز لا في الكلمة ولا في الإسناد وصاحب الكشاف ادعى أن المعنى أن القوم يصدقني ببيانه الواضح وتقريره الكاشف لكنه أسند إلى هارون إسناد الفعل إلى السبب وهذا أنسب بقوله : إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [ القصص : 34 ] كما سيجيء لكن ما اختاره المص أقرب لأن تصديق القوم بتأييد هارون عليه السّلام ليس بمعلوم بل خلافه واقع ولذا مرضه بقوله وقيل المراد تصديق الخ . قوله : ( ولساني لا يطاوعني عند المحاجة وقيل المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب وقرأ عاصم وحمزة يصدقني بالرفع على أنه صفة والجواب محذوف ) وهو فيكون نعم العون لي أو يكن نعم العون وعلى تقدير كونه صفة تكون صفة مادحة لا مخصصة ولا مقيدة . محذوف تقديره يؤمنوا بما جئت به من الحق وأما إذا قرىء يصدقني بالجزم فهو الجواب فيكون على كلتا القراءتين مثل يرثني في قوله وليا يرثني إعرابا وتوجيها . قوله : وقيل المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب نحو بنى الأمير المدينة والأمير إنما أمر بالبناء فأسند البناء إلى الحامل كما أسند إلى المباشر فسر رحمه اللّه معنى يصدقني على وجهين الوجه الأول أنه ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى بل الغرض أن يلخص بلسانه الحق ويبسط القول فيه ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو القدرة على الكلام فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان ألا يرى إلى قوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك لا لقوله صدقت فإن الفصيح وغير الفصيح في ذلك سيان والوجه الثاني أن المراد بتصديق هارون أن يصل جناح كلام موسى بالتقرير أو لبيان والكشف والتوضيح حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه فأسند التصديق إلى هارون لأنه السبب فيه ويؤيد هذا الوجه قوله : إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [ القصص : 34 ] لأن التقدير أرسله معي ليكون سببا لأن يصدقني قومي فقيل له لم ذلك فأجاب إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [ القصص : 34 ] وكل من هذين الوجهين مبني على المجاز فالفرق بينهما أن التجوز في الوجه الأول إنما هو في الكلمة دون الإسناد لأن يصدقني فيه بمعنى يلخص كلامي والملخص حقيقة هو هارون وفي الوجه الثاني في الإسناد دون الكلمة لأن التصديق حقيقة في معناه لكن المصدق حقيقة ليس هارون بل قومه فالإسناد في الأول إسناد حقيقي والكلمة مجاز وهو في الثاني مجازي والكلمة حقيقة .